أحمد بن محمد القسطلاني

228

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

هو ( فساء ) بضم الفاء والمد ( أو ضراط ) بضم الضاد وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدبر ، لكن الثاني مع صوت ، وإنما فسر أبو هريرة الحدث بهما تنبيهًا بالأخف على الأغلظ ، أو أنه أجاب السائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر ، وإلاّ فالحدث يطلق على الخارج المعتاد وعلى نفس الخروج وعلى الوصف الحكمي المقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية وعلى المنع من العبادة المترتب على كل واحد من الثلاثة ، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث فلا يعني بالحدث الخارج المعتاد ولا نفس الخروج ، لأن الواقع لا يرتفع فلم يبق أن يعني إلا المنع أو الصفة . 3 - باب فَضْلِ الْوُضُوءِ ، وَالْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ هذا ( باب فضل الوضوء ) بالجرّ على الإضافة ( والغرّ المحجلون ) بالرفع عطفًا على باب أي وباب الغرّ المحجلين فأقيم المضاف إليه مقام باب المحذوف أو الغرّ مبتدأ أو خبره محذوف أي مفضلون على غيرهم ، ووقع في رواية الأصيلي وفضل الغرّ المحجلين ( من آثار الوضوء ) جمع أثر الشيء وهو بقيته . 136 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ : رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ » . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) بضم الموحدة وفتح الكاف وإسكان المثناة التحتية المصري ( قال حدّثنا الليث ) بن سعد المصري أيضًا ( عن خالد ) هو ابن يزيد من الزيادة الإسكندراني البربري الأصل المصري الفقيه المفتي التابعي ، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة ( عن سعيد بن أبي هلال ) التيمي مولاهم البصري المولد المدني المنشأ ، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائة ( عن نعيم ) بضم النون وفتح العين وسكون المثناة التحتية ابن عبد الله المدني العدوي ( المجمر ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية اسم فاعل من الإجمار على الأشهر ، وقيل بتشديد الميم الثانية من التجمير وهو صفة لهما حقيقة أنه ( قال ) : ( رقيت ) بكسر القاف أي صعدت ( مع أبي هريرة ) رضي الله عنه ( على ظهر المسجد ) النبوي ( فتوضأ ) بالفاء التعقيبية وفي نسخة بالواو ، ولأبي ذر توضأ بدونهما ، وللكشميهني يومًا بدل توضأ وهو تصحيف ، وللإسماعيلي وغيره ثمّ توضأ ( فقال ) وفي رواية الأربعة قال بحذف حرف العطف على الاستئناف كأن قائلاً قال : ثم ماذا ؟ فقال : قال : ( إني سمعت النبي ) وفي رواية أبي ذر رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( يقول ) بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية أو لأجل الحكاية عنها ( إن أمتي ) المؤمنين ( يدعون ) بضم أوّله وفتح ثالثه ( يوم القيامة ) على رؤوس الأشهاد حال كونهم ( غرًّا ) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر أي ذو غرة وهي بياض في الجبهة ، والمراد به النور يكون في وجوههم وحال كونهم ( محجلين ) من التحجيل وهو بياض في اليدين والرجلين ، والمراد به النور أيضًا أي يدعون إلى يوم القيامة وهم بهذه الصفة فيكون معدّى بإلى نحو : { يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب الله } [ آل عمران : 23 ] وتعقبه الدماميني بأن حذف مثل هذا الحرف ونصب المجرور بعد حذفه غير مقيس . قال : ولنا مندوحة عن ارتكابه بأن نجعل يوم القيامة ظرفًا أي يدعون فيه غرًّا محجلين اه - . وقال ابن دقيق العيد : أو مفعول ثانٍ ليدعون بمعنى ينادون على رؤوس الأشهاد بذلك أو بمعنى يسمون بذلك . فإن قلت : الغرة والتحجيل في الآخرة صفات لازمة غير منتقلة فكيف يكونان حالين ؟ أجيب : بأن الحال تكون منتقلة أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مؤكدًا نحو قوله تعالى : { وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا } [ البقرة : 91 ] ومنه خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها ، فأطول حالاً لازمة غير منتقلة ، لكنها في حكم المنتقلة لأن المعلوم من سائر الحيوانات استواء القوائم الأربع فلا يخبر بهذا الأمر إلا من يعرفه ، وكذلك هنا المعلوم في سائر الخلق عدم الغرة والتحجيل ، فلما جعل الله ذلك لهذه الأمة دون سائر الأمم صارت في حكم المنتقلة بهذا العنى ، ويحتمل أن تكون هذه علامة لهم في الموقف وعند الحوض ، ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة فتكون منتقلة بهذا المعنى : ( من ) أي لأجل ( آثار الوضوء ) أو من سببية أي بسبب آثار الوضوء ومثله قوله تعالى : { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا } [ نوح : 25 ] أي بسبب خطاياهم أغرقوا ، وحرف الجرّ متعلق بمحجلين أو بيدعون على الخلاف في باب التنازع بين البصريين والكوفيين ، والوضوء بضم الواو